أخر الأخبار
الرئيسية » السلايدر » نـجيب طــلال يكتب: وداعا توهـراش المسرحي المتشـائـل

نـجيب طــلال يكتب: وداعا توهـراش المسرحي المتشـائـل

نـجيب طــلال
ابن مدينة الـحمراء( مراكش) ذاك- عبد الهادي توهراش- تلك الطاقة المبدعة الخلاقة فوق الركح ؛ ركح بقدسيته المعلنة لأهــل المعنىفي رحاب ديونيزوس ؛ رحاب موكبه الهوس والعِـشق الأبـدي؛ عشق وهوس غير معلن الإحساس ؛ إلا للذين أثـخنوا في الركح توهجا كالمبدع –توهـراش- لكن حـركية جـسـده وبلاغـته؛ والتي كانت تخفي قصـر قـامته؛ لتحوله عن طواعية لعملاق وشخصية، تكتسح الركح بكل وثوقيه وإبداعية ؛ أمست تلك الحركية؛تستسلم للمرض ، فتكاثرعـليه وأوهنه وأضعـفه !فتوقف الإثـخانوألمعـية العطاء الفني ؛ لـكن – الوفاة – أوقـفـت صـراعه مع المـرض؛ ليصارع قـبره ؛ إنها تراجـيديا الوجـود أيها –المتشائل- كنت بيننا تحمل في أعماقك التفاؤل والتشاؤم وتدمجهما في صمتك المعهود؛ ونكران الذات وابتسامتك التي لا تفارق محياك ؛ رغـم أنك كنت تميل للانطواء والانزواء الجميل؛ وليس المرضي ؛ لأنك ضمنيا تقاسم لوعة المسرح مع نفسك ودواخلك؛ وسؤال المـتشائل يلاحقك؛ يوم جسـدته بكل تلقائية وبراعـة أنا: أمتشائم أنا أم متفائل؟
أنت بـحـَق ِّكنت مبدعـا فاعلا ؛ وفـنانا أصيل الطينـة في رحاب مدينتك { الحمراء} والتي حولتها {خضراء} بالعطاء الإبـداعي المتميز رفقة العـديد من الأسماء؛ التي – كانت – تنازعك حـق الوجود فوق الركح؛ ولكـن ساهمتم بنضالية فـنية ؛ بناء ثقافة مسرحـية ؛ بعـيدة عن الغـَوغائيةوحشـوالكـلام . فكنت من مؤسسي العـديد من الجمعيات المسرحيةفرق كالضياء /نادي خشبة الحي / ورشة إبداع دراما /…./ أيام مـجـد وتألـق مسرح الهواة.. الذي اغـتالته أيادي الخـبث ؟
فتاريخ تجربتك التي صقلتهـا بعـرق عصامـيتك؛ وهَـوسك الجنوني للفعل المسرحي؛ منذ1968 رفقة الصديق الأعـز– عبدالله المعاوي- الذي لـم أراه منـذ سنوات؛ فمن جمعية – الجيل الصاعـد – كانت البداية المسرحية ؛ التي أبعَـدتـك عمليا عن فرقة الناشئين التابعة للكشفية الحسنية المغربية . وفـعلا كنت من ضمن الجيل الصاعـد الذي أغنى الساحة المسرحية بأعـذب العـروض وجمالية أيقـوناتها وخـفة إيقـاعاتها.
فـقـدمت الجمعية مسرحية على ما أعتقـد – عمية بلا عكاز- لكن التطور الذي حَـدث في عطائك يتجـلى في مسرحية {النمرود } سنة 1975 – بأكادير؛ وبعْـدها ” { دردبة فالحمام } ” والتي ساهمت أسـاسا في تكوين علاقتك بجيلك من الفنانين المسرحيين في مدن أخـرى سنة 1977 إثر تلك الجولة في عـدة مـدن مـغـربية؛ ومـا أروع تلك الجـولات التي كانت ؛ قبل المشاركـة في المهرجان الوطني لمسرح الهواة بتطوان سنة 1980 ؛ فكسبك لتجربة إبداعية خلاقة ؛ فـرضت أن تلتحق/ تؤسس رفقة المبدع : عبد الرحمان السبـطي وعـزيز بـوزاوي و جلال عواطف ومحمد قـريشي وعبد الله الشويخ…. وجملة من الأصدقاء الذين لا زلت أتذكر بعضهم وحماسهم في-نادي خشبة الحي . فكـنت لا أرى في مسرحية “المفتاح ” أو” الخرابة ” إلا أن هناك طاقة صوفية تحمل دررا ربانية؛ من الصعب وصفها أو تفسيرها؛ لأنها – كانت – في دواخل الراحل عـنـا – عبد الهادي توهـراش- إنـه غادرنا و رحـل بشكـل مفاجئ ! إذ شخصيا ماكنت أتوقع أن المنية كـانت له بالمرصاد و تلاحقه؛ يوم سألت عـنه في أواخر شهـر مارس. رفيق دربه وهمومه وضحكاته وقفـشاته من عهد مسرحية – دردبة فالحمام؛ إلى يوم وفاته – المبدع – عـبد العـزيز البـو زاوي-
فرحمه الله كان محبوبا عند الجميع؛ مقبول العشرة والمجالسة ؛ رغم خجله وصمته ؛ كان له حضور قوي في المجالس وفي مختـلف التظاهرات والملتقيات المهرجانات المسرحية ؛ وذلك من خلال وثيرة الاستمرارية والعطاء غير المبتذل أو المميع .
فكل هـذا وغيره من السلوك النبيل الذي تميز به ؛فالسر لا يَـكْـمُن في تواضعه أو نكران ذاته ؛ بل في صوفيته الغامضة ؛ التي جعلته يؤمن أن الآخـرذاتـه ؛ وذاته هي الآخـر؛ فكان لا يتـواني عـن خـدمة الآخـرومساعـدته بما يستطيع أو يسمح به المقام ؛ فإن كان الإخوة المراكـشيين يلقبونه ب [ العـشير] فـللقب دلالة خاصة؛ ولكن بالنسبة لي؛ كنت أراه – النبيل – في علاقته وحميميته والتي لا تقـدر بثمن ( مـا ) لأنـه كان يعيش صوفية خاصة ؛ صوفية غامضة ؛ لايمكن أن توصف؛ ولكنها تلمس ؛ إن عـدنا بذاكرتنا لمسرحية – المتشائل – في طبعتها الأولى مع جمعية ( الضياء ) ومحاولة ربطـها وتشريحـها بمسرحية { تخـريفة هرما } والتي تـعـد في ( نظري) أروع ما قـدمت جمعية ( ورشة الإبداع دراما ) علما أن أعمالها الأخرى كانت بحق متميزة ؛ من الناحية الجمالية والفنية .
فـإن كان الفن المسرحىفـَنجمـعـوي بالدرجة الأولى؛ ويقومعلىتضافرعناصرهالإبداعيةبتكافؤمنطـقى؛حـسبأهميةكلعنصرمنالعناصرالتي تتداخل وتتكامل كمنظومةشموليةلبناءالعرضالمسرحي ؛ فإن المبدع – توهراش- بحـركيته الجسدية وإلقائه السلس والمسموع ؛ يتخطى تلك العناصر؛ باستثناء الإضاءة التي كانت أقوى منه في جل العروض.
إذ ففي العملين[ المتشائل/ تخريفة هـرما] نستشف ذاك التحول الفيزيائي الرهيب؛ الذي يحـدث لجـسد الفنان الراحل – توهراش- جـسد ما هو تشريحي ولا بلاغـي؛ بل جسـد نابض بروحانيته ونفحات – ميتاجــسد – والذي يـملأ الركح بخفته وحركيته المضبوطة ؛ ولا ارتجال فـيها؛ ولا تصـنع . وهاته ميزة لـدى أغلب المسرحيـين المراكشيين؛ مع التفاوت طبعا. وهـنا :فـمن الصعب حصرهـم وكذا من باب الإجحاف ذكر البعض عن البعض.
لكن الذي غادرنا ولم نستمتع باستمراريته ؛فانـمحـاء قِـصر قامته ، فوق الركح. قضية تحتاج لوقفات خاصة .
إذ نعلم أن قصر القامة بالكـاد لا تستطيع تجـسيد المأساة أو التراجيديا؛ بقـدرما تجـسد الكوميديا وتـبدل جهـدا متميزا في نوعيتهـا؛ باعتبار أن طبيعة الأقزام لهم خاصية الإضحـاك . لكن – توهراش- لم يكن فنانا كومـيديا ؛ ولم يكن يحمل في جـسده رسالته إضحاك الجمهور؛ بل كان فنانا مهيب الحضور– متشائلا- يحمل عمق رسالة المسرح الحقيقي والجاد وليس التهريجي والبهـرجي؛ فمن هاته الزاوية ؛ كان رحمه الله من ألمـع الفنانين وأصدقـهم عطاء ؛ ومساره المسرحي وتـجـربته الفنية لشهادة مــعـه ؛ لا يمكن لأحـد أن يزايد عليها أو ينقص من قيمتهـا .
فطوبى:لتوهـراش المتشائل في عطائه وتضحياته ونضاليته المتميزة في مســاره الإبداعي؛ وطوبـى: لأخـلاقه العالية ؛ ونـبله النابع من طـينة الجـذر الصحـراوي المتأصل؛ فنم قرير العين في مثـواك الأخير؛ لأن نـُبْـلـك وأخـْلاقـك : لم تترك لـك جفاء وخصامات وحسابات ضيقة بين رفاق دربـك . والبقاء لله الواحـد الـديان .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *