أخر الأخبار
الرئيسية » السلايدر » الشاعر و الإعلامي مصطفى غلمان يكتب: نظرات في الإعلام والحداثة والعقل الصانع

الشاعر و الإعلامي مصطفى غلمان يكتب: نظرات في الإعلام والحداثة والعقل الصانع

1 – في كتاب جدير بالتأمل لريتشارد تارناس يحمل عنوان: “آلام العقل الغربي: فهم الأفكار التي قامت بصياغة نظرتنا إلى العالم”، نزوع فكري تاريخاني نحو إعادة صياغة العقلانية الغربية وتشكيلها على نحو يجسد رغبة ملحة في فهم عوائق تدبير سيرورة زمنية متباينة، كانت فيها أوروبا عبارة عن كومباوندات مغلقة تحكمها عقليات بلحي شعثاء وصكوك غفران.

تارناس حاول اجتراح مسح نقدي، باحترامه المتأصل لكل من ثقافة التيار الكنيسي المحافظ والعالم المتغير جذريا، وهو إلى ذلك لا ينتصر إلا للبراغماتية الرأسمالية التي تجعل من المادة سلاحا للحتمية النيوليبرالية القائمة على الرفاه الاقتصادي والتحرير والخصخصة والقضاء على مفهوم الصالح العام أو المجتمع واستبداله بمفهوم المسؤولية الفردية.

تصيبني دوخة كبيرة وأنا أتصفح كتاب آلام العقل الغربي، حيث الانتقال الزمني وتتبع أدوار تشكل العقلانية الغربية في مضمار القياسات والتمايزات التي مرت منها القارة العجوز مخيفة وثقيلة، تستدعي نشاطا غير عاد للاستيعاب والمحاورة، من الإغريق إلى الحقبة الكلاسيكية، ثم النظرة المسيحية للعالم إلى الحقبة القروسطية، فالنظرة الحديثة للعالم.

حفر في الاوديسة الأوروبية لاجتراح تاريخ الغرب الثقافي مليء بالتوجسات والقطائع السوسيولوجية والتاريخية والإنسانية.

هذا التفكيك القرائي الجسور لتجربة سلطت الأضواء على رحلات العقل الأوروبي بآلامه وآماله أفردت جوانب فكرية عميقة الدلالات في تخوم عظماء وفلاسفة ونبغاء من أفلاطون إلى هيجل، ومن اوغسطين إلى نيتشه، ومن كوبرنيك إلى فرويد…

لم أكن قادرا في ما سبق على الإحاطة بها دون المرور من جسر النهر الراكد لحضارتنا المبتلاة.

أعترف بأن مجرد مقارنة آلام العقل الغربي بنظيره العربي تثير أكثر من جدل حول فواعل ومسببات الآلام وطرق تخبيلها وتخليلها، فهما ينهلان من المعين نفسه، ويترعان من المعنى ذاته، لكنهما يتقاطعان وينقطعان في درجات التصادر والنزوع إلى المغايرة والتأسيس.

2 – في التداوليات الحديثة يمكن استعمال الخطاب الإعلامي انطلاقا من معطياته اللغوية والخطابية لأجل ممارسة فعل التغيير الاجتماعي والثقافي.

ثمة عملية خطيرة جدا تقع في صلب موضوع الخطاب في شكله التواصلي بكل ما يعنيه من أبعاد نفسية واجتماعية وايديولوجية، كثيرا ما يعاني تهميشا فجا ورفضا لا مبررا، لكونه يشكل حجر الزاوية لقيم التغيير وأخلاقه.

في لغة الإعلام وسياق حضورها في وجدان المتلقي، هناك ما يتبث التفاعل الخطابي ونظيره الاجتماعي؛ الشيء الذي يعزز استلهام التواصل كعلم قائم الذات، من حيث كونه يمثل جسر عبور للمعرفة كنسق مفاهيمي خالص ينشد الفكر والتعلم والاتصال.

هل ندرك فعلا أن مجتمع المعرفة الذي نتبناه في مقارباتنا وفي مخيالنا الجمعي هو فيض جاثم من الباراسيكولوجيا على مساحة لا معقولة من الضياع والتيه؟

هل يعقل أن نستوعب قيمة نظرية مجتمع المعرفة في راهن لا يعترف بها مكونا أساسيا لرأس المال؟

لا بنى تحتية لإقامة حضارة معرفية، ولا تأسيسات مسبقة لأبعاد هذه الحضارة!!

3 – كنت متعارضا مع كل تفكير كلياني يقارب الإشكاليات المجردة، مادام قاصرا عن إدراك الظواهر المادية المحسوسة. ومع أني أومن بنسقية التفكير الفلسفي وانشغاله بالمحاكمات العقلية، إلا أنه مازال في رأسي ما يحلحل فرضية عدم انسجام المنطلقات الفلسفية، بل تعارضها وتناقضها في العديد من قضايا الوجود والكينونة.

ما يثير قلقي أيضا اعتبار الأحكام الفلسفية أحكام وجوب وليس أحكام وجود، وأن كل تفكير فلسفي نقدي هو إعادة تقييم لمعرفة الحقيقة، على الرغم من وقوفها على التأويل الأرسطي الذي يبني هويته من الشك المنهجي.

المهم في كل هذا وذاك أن يقينية فهم الفلسفة تجاوزت المطلوب العقلي إلى أبعد مما كنت أردده بعد قراءاتي القديمة، على الأقل المؤانسات العميقة التي كانت تستهوي مخيالي عندما كنت مجنونا بقراءة محفوظاتي المختارة من تاريخ الفلسفة الرشدية مثلا، التي كان من أبرز نتاجاتها هذا النص المعتق:

“إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من حيث دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وإنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم”.

4 – إذا كنا نفكر من أجل النقد وتدبير حضور فعلي تيماتي لقضايا الوجود، فلماذا لا ننهي حالة العسر النشاز التي تعيشه شكيتنا، بما هي معرفة غير محققة، تغتني من تأويلات مبطنة أساسها تعطيل الاعتقاد بالغيبيات وتفكيك سؤال الروحي في الإنسان؟!

*شاعر وباحث إعلامي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *