أخر الأخبار
الرئيسية » السلايدر » الشاعر و الإعلامي مصطفى غلمان يكتب: أمراكش لا أبا لك يسأم

الشاعر و الإعلامي مصطفى غلمان يكتب: أمراكش لا أبا لك يسأم

مصطفى غلمان / شاعر و إعلامي

إنهم يأكلون مراكش ويبيدون حضارتها ومعمارها وتاريخها. وحدها المساحيق التي تعلو محيا الواجهات وحانات الخمر والشوارع الرئيسة، ترشح خواء وتميط اللثام على جروح غائرة، لا تسعها الإسعافات الأولية ولا التوصيفات الظرفية العابرة.

    لا تقارب بين مراكش سبعينيات وثمانينات القرن الماضي ومراكش بعد بزوغ الألفية الثالثة. وحتى عند وضع مقاربة تخييلية بينهما، لا بد وأن تنصب بين عينيك صورا كانت إلى عهد قريب أقرب للجماليات الخالصة منها إلى أطنان التبدير الذي لم ينفع المخططات المرصودة لإعادة تهيئتها وهيكلة معمارها وتوسيع جغرافيتها.
مراكش فقدت بريقها منذ أن تكالبت عليها ساسة الجهل وحفاري قبور اليأس. تمترست تحت وابل النهش والهرش ، وما عادت الحمراء البهيجة التي تغنى بها الشعراء وارتادوا آفاقها وفضاءاتها الأسطورية طلبا للمجد والعلا.
أقول ذلك بعد أن حل بأهلها الأصيلون خراب الوجود وحط على حيطانها غربان الفساد والاستبداد. بيعت معظم منازلها وقصورها للقطاء وأفاقي الأرصدة المنهوبة، ممن يكرسون الصور الجديدة للاستعمار، وازدحمت دروبها وحوماتها العتيقة بالبيدوفيليا وقيعان العهر وغيلانها ، وانحرف بها قناصو الشذوذ الباحثون عن الملذات إلى قاع قاع الرذيلة والفحش.
لم يعد لمراكش ما يذكر بصيت أكبر علمائها وأفذاذها، الأعلام المجيدون الذين بصموا أزمنتها نبلا وعطاء وخيرا مديدا. تغيرت كل الملامح التي طبعت عهودا غابرة من الصمود والوفاء للقيم، وبيعت في المزادات المعلنة وغير المعلنة، وارتقت الغوغاء المناصب لإدارة شؤونها، والتحف الرعاديد كراسيها ومراقيها، كأنها علامات ساعة الافول والانهيار!.
لا أريد هنا إلغاء علاقة الإحساس بالواقع المخيف الذي يمتد إلى جوانب صلبة من حياة لا تتسع لتغمر هامشا شاسعا من الدورة الزمنية القاتمة، بل أحاول قدر المستطاع التحقق من ردود فعل الأزمة الأخلاقية والتاريخية التي تعانيها أجيالنا المتأخرة، التي انطلت عليها حيل إزاحة مدينة يوسف بن تاشفين من فعلها ورصيدها التاريخي والإنساني إلى البؤس والهوان الذي تعيشه مكرهة، بعد أن طالتها يد الشنار والشنعة.
والحديث عن هذا السقوط المدوي يطول ويستعصي تطويعه، لكن اللبس فيه يركن للفكاك عندما يحصر في مكامن الخلل الذي ما انفك يطال بنية عقاراته التاريخية ومعماره الفريد وحدائقه الفاتنة الغناء، ومجمل مآثره ومفاخره الخالدة.
ويكون لجرائر الدولة يد طولى في هذا العبث المستطير. يكفي أن تدرك مدى ضيق صدرها واختناقه عندما تغمغم وتهمهم بشعارات المحافظة على التراث وتثمينه. أو تزاحم منطوق واقع هذا التراث، خصوصا منه اللامادي، الذي يرزح تحت نير الإهمال واللامبالاة والجحود، لتعلم حقا وحقيقة كيف تفكر دولة المخزن، وأين تذهب ملاييرها! ؟
وإذا أردت التأكد من مأساة مراكش في هذا الباب، فما عليك إلا أن تطرح على نفسك أسئلة من قبيل :
* ماذا حققت مراكش طيلة عقود ما بعد الاستقلال، إن على مستوى البنى الثقافية أو الاهتمام بالتراث المادي واللامادي القديم ؟
* كيف اختارت الدولة تدابير صيانة وحماية هذا التراث؟
* ما الإضافات التي عنت هذا الجانب المشرق من حضارة حكمت زمانئذ شمال إفريقية وجزءا من جنوب أوربا؟
* لماذا تسقط نظرية الثقافة في مشاريع التنمية وتلتحف البدائل المقدمة ذيول التجهيل وممارسة الردة العقلانية؟
* لماذا يشار لمراكش بالبنان والعيان لكل ما هو قميء بالاسفاف والتواكل والتفخيخ ؟
* وكيف يراد لمراكش أن تكون مركزا للسياحة بمعناها السطحي والقدحي، دون مراعاة لأخلاق أبنائها وتشبتهم بتاريخهم وحضارة أجدادهم؟
* ولماذا لا تستقطب مراكش رأسمالات موازية لرصيدها الاشعاعي، وتكون قطبا صناعيا واقتصاديا قويا؟
* ما الحاجة إلى تصبيغها بمهرجانات ومؤتمرات لا تجني غير الضياع والفوضى والغرق القيمي؟
أمثلة عن هواجس تهدد الهوية المراكشية، تدفع باتجاه تحوير المآلات إلى سقوف محددة لانتظارات تكاد تكون مغلوبة وغير قابلة للتحقق أو التأويل. لكن بإزاء ذلك، لا بد من العود إلى ذلك الشعور الرهيب الذي يسيطر علينا ويلوي أعناق أحلامنا. الشعور بالخوف والهشاشة من مستقبل أبنائنا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *