أخر الأخبار
الرئيسية » السلايدر » الشاعر و الإعلامي مصطفى غلمان متسائلا: هل خان الإعلام رسالته الأخلاقية؟

الشاعر و الإعلامي مصطفى غلمان متسائلا: هل خان الإعلام رسالته الأخلاقية؟

مصطفى غلمان / شاعر و إعلامي

السؤال الأخلاقي في الإعلام المغربي راهني بامتياز. سؤال يحيل إلى وضع استثنائي لا يخرج عن المشهد السياسي العام للبلاد. إنه يترجم الحالة المفلسة التي تعيشها وسائل الإعلام، من حيث كونها تنحرف بشكل خطير جدا عن الوظائف التي بنيت لأجلها.

أقول ذلك عن اقتناع وتفكير، بعد تجربة ناهزت الثلاثين سنة، قضيتها متنقلا بين الصحافة المكتوبة والسمعي البصري والإلكتروني أيضا.

لماذا يطرح الآن سؤال الأخلاقيات، بعد أن استنفدنا أجيالا من المناكفة والدرس التحليلي والجدل الخانق حول موضوع يبدو أن بحره لا يتوانى في الامتداد إلى عمق الاستقطاب السياسي الذي أضحى أداة حادة للمزايدة والريع؟

قد تختلف أشكال وأبعاد ومحتويات المواثيق الأخلاقية، ولكن وحدة المصير فيها كنسق وكغاية يمنعنا من التشويش على الأهداف العامة المحيطة بها، نظاما يحتذي الشفافية والمصداقية والبعد عن الشخصانية، كما الافتراء والتشهير المتعمد والتهم التي لا تستند إلى دليل وانتحال أقوال الغير.

إنها الفلسفة الكبرى التي تقوم عليها وظيفة الإعلام. نحن مرهونون إذن بموازاة هذا النقاش تحت طائلة التقييم الاستدلالي للمفاهيم ذات الصلة بالإعلام والاتصال، لأجل الوقوف مليا عند المحددات التي تقوم عليها الوظائف والغايات. ومن ثمة الوقوف على أسباب ومسببات تداعي العميلة الإعلامية وتدهورها مجتمعيا وأخلاقيا.

لقد اتسعت هوة التواصل بين الروابط الإعلامية والمجتمع في الوقت الذي أصبحت فيه الوسائط المتعددة للعمليات إياها تشكل نقطة تحول في العلاقة بين الواصل والموصول، بين الحدث والفعل، بين الجوهر والهامش، بين الزمن والتلاشي، بين الحقيقة واللاحقيقة.

ربما يكون للوازع التكنولوجي وتطور مضمار المعلوميات يد في ذلك؛ لكن العامل القيمي في الصناعة الإعلامية أضحى العائق الأكثر حضورا والأقدر تأثيرا، فقد اهتزت صورة الإعلام وحاد عن جادة وظيفته التواصلية، ولم يعد له الوقع اليقين في تفكير وعقل المتلقي، بعد سلسلة فضائح أخلاقية تمس المنظومة الإعلامية في جوهرها. وأين نحن من نظريته القائمة أساسا على “جعل المتلقين يدركون ما يريد أن يقدمه الإعلامي عبر النفاذ إلى مجال وحقل تجاربهم وخبراتهم”، حسب تعبير ألنسكي؟

يجب الاعتراف بحدوث شرخ عميق في علاقة الإعلام بالمجتمع. علاقة لا يجمعها رابط قيمي، يبلغ ذروة الانتماء للأنظمة المجتمعية المتداخلة، إن على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي أو الصحي، حيث الانفراط المقصود للفاعلية الإعلامية في ترجمة ونقل ما يقع، وانعكاس ذلك على حياة المواطنين ومعيشهم اليومي.

ويمكن التماس هذا الشرخ في الصور المتعددة التي تحملها البرامج الإذاعية الخاصة مثلا، في عدم قدرتها على الاقتراب من قضايا الناس وحاجاتهم الحقيقية. ذكرني ذلك بتأويل موفق لآرتر آسابيرغر خلال تقديمة لنظرية التأثيرات اللاجماهيرية لوسائل الإعلام في المجتمع: “نحن لا نشاهد التلفزيون في حد ذاته، ولكننا نشاهد نصوصًا محددة: البرامج التي ينقلها، والشيء نفسه، ينطبق على جميع وسائل الإعلام”. بمعنى أن المادة الإعلامية المعروضة تبقى الخميرة التي تقوم عليها القيمة الأخلاقية والمجتمعية، وما عدا ذلك لا يصلح أن يرتقي لمستوى الاتصال الجماهيري.

لقد تراجعت نظرية الإعلام وتعمقت أزمة القيم فيه، وأصبحنا نتحدث عن انتقال “الرسالة الإعلامية” إلى “حاضنة الوسيلة” بما هي قوة وأكثر أهمية من “مضمون النص”. ويمكن الاستدلال هنا بنظرية مارثال ماكلوهان القائلة بوجود صلة بين “الوسيلة والرسالة الإعلامية” وبدائل التكنولوجيات الرقمية الجديدة، حيث تتفكك القيم الثقافية والهوياتية وتصبح في خبر سيرورة الارتباط البراغماتي الجديد المنسوج بعواطف الناس وارتباطهم السحري بأدوات ووسائل الاتصال، كالهواتف الذكية والآيباد وكل أنواع الأجهزة اللوحية المتطورة.

إذا كان الأمر متعلقا بالتأثيرات الشبكية التي تغطي مساحات شاسعة من الزمن الأسري التائه، انطلاقا من الروابط الأبوية ونزولا إلى النسق التربوي للأطفال، فماذا ننتظر لاكتمال حاجز التسلط الذي تمارسه الخلفيات الإعلامية بمختلف شعبها وتشعباتها، ضاربة عرض الحائط العوادم التي تتركها في كل لحظة، متصادمة مع ثقافتنا وتقاليدنا وهويتنا، متعالية مع أنماط تفكيرنا ورؤيتنا للوجود والكينونة.

الأخطر هو أن تصل المؤسسات التقنية العملاقة ووسائل إعلامها إلى تصنيف وتسليع الناس، كوسائل إعلامنا تماما، خبرت بعد سنوات التيه والجنوح الأخلاقي إلى تصنيف المواطنين إلى مجموعة شرائح، توجهها عبر كمائن احتيالية إلى وكالات الإعلان وسماسرة البيع والشراء، لأجل ترويج منتوجات خدمية متنوعة وتحقيق أرباح جزافية مهمة.

المجتمع ونخبه معنيون بهذا التطور القاهر، وعليه أن يجد وسائل بيداغوجية وتربوية جديدة من أجل المدافعة والتحصين؛ فالثقافات التقنية الغازية أضحت اليوم تنخلق من هوامش المجتمعات الافتراضية، حيث يسوء استخدامها من قبل وسائل إعلام تعتبر القيم الاجتماعية والثقافية في ذيل اهتماماتها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *