أخر الأخبار
الرئيسية » السلايدر » الحكمة الكامنة بشعرية الحنين في ديوان “ok” للشاعر نور الدين بازين

الحكمة الكامنة بشعرية الحنين في ديوان “ok” للشاعر نور الدين بازين

علاء كعيد حسب / شاعر و كاتب

الحزن متلازمة الحنين، دلالتانِ متأصلتانِ في معنى الوجع البشري، و نصيبُ جسدٍ تُخضِعه الذاكرة لميراثها الصارم، ككاهنٍ في معبد مهجور، يحرس، وحيدا، سر الإيمان و موت الآلهة. و حين تترافع القصيدة عن ملكوت الشاعر و تعكسُ، بكثير من التفاصيل، منفاه القسري للماضي، يُمسِي الحزن مطرقةً و الحنينُ سِندانا، و ما بينهما قارئ و شاعر يشربان من نفس الكأس.

الشاعر نور الدين بازين في ديوانه”ok” الصادر سنة 2010 في 64 صفحة من الحجم المتوسط عن دار النشر الغاوون  بلبنان، يعيدنا، غير مدركٍ أن فصلَ الأمسِ سيكبر في ملامحه، إلى طرح السؤال المدهش إياه: ما الذي يجعلنا ندرك إنسانيتنا في الألم؟، و دون أن يمهلنا، بعضَ الوقتِ و كثيرا من الخبرة، لنرُاجع الإجابة في تاريخ الخسارة وفي عيون العابرين قبلنا في صمتٍ، يصرخُ فينا: “صدقوني.. أكره الطريق”، ثم يفتحُ نوافذهُ لـ”فراشات الطفولة المتخمة بالتهميش” و يكتب:
“كل الطيور نامت
لا أحد في الزقاق
ثمة فزاعةُ
جسدٍ
و صغارٌ يطلون
لا أحد يدق على الباب”. (ص:16)

و من خلال ديوانه “ok” يُسوِقُ بازين الحياة “كممتالية طويلة من الأحداث المخصصة لإخفاء الخطأ تحت سطحها الخادع”(1)، على حد تعبير ميلان كونديرا، غير آبهٍ لما يحمله له برجُ الثور و لا لكيفية إضاءة النجوم لخلوته أو ما ستُنجمهُ الكواكب له، ما دام فأله في كأسٍ قال عنها:
“كأسٌ أذاقتني عطفها
مرفأ مغذور بالرؤية
هي الوشم المقدس في شفتي
هواية و هوية”. (ص:19)

“ok” تأكيد شاعريٌ على حتميةِ الألم في حياة كل منا و صدقيةِ الموتِ و واقعيتهِ، كأننا بالشاعر نور الدين بازين يتماهي مع صاحبة الحانة مخاطبةً كلكامش: “الحياة التي تنشد لن تجدها، حينما خلقتِ الآلهةُ البشريةَ قدرت الموت على البشريةِ و ضبطت الحياة بيدها.. و أنت يا كلكامش ليكن كرشك مملوءة و افرح ليل نهار”(2). و لأن بازين موقنٌ بأن لا شيء يُوحي أن العالم بخير و أن الحزن يُولد المتعة المفرطة، يُذكر نفسه و يحرضها لـ:
“تسعى إلى إمتلاك كرسي الحانة
و تسعى إلى إمتلاك حكمة الساقي
و أجمل الفتيات
و النوم في أحضانهن
في ركن الحانة
في نهاية الشارع”. (ص:39)

بازين الذي ابتلعه العالم، يُعبر من خلال ديوانه “ok” عن شعريةِ اليأسِ التي تناسلت، في غفلة منه، بين مفرداته و مِخيالِه، و يرصدُ، مَجَازًا، المتغيرات الذي تطرأ مع شيخوخة الطفولة و إنفلات الذكريات في تحولها إلى قوت لسيرورة الحياة. و حين عرف نفسه قائلا: ” أنا نور الدين بازين / الشخص المناسب لحالة اليأس / أعتقد أن الله توقف لتعداد خطاياي” (ص:59)، فلأجل أن يستعير وجه الريح من صورة النورس الذي يحط على شرفة منزله معاتبا قبل أن يبكي و ينام، لأنه فقد السيطرة على أطرافه مخالفا وصية والدته:
“أمي قبل أن ترحل
نبهتني أن أراعي الشرع في أطرافي
صرخت في وجهي:
أيها الولد
لا تأمن للدموع
لا تأمن لظل شجرة
تحذق في نهاية الشارع”. (ص:21)

قوة ديوان “ok” من وجهة نظرٍ شخصيةٍ، تكمنُ في تشكيل الحكمة من الفقدان و تقديمها على بساطِ القصيدة للقارئ الباحثِ عن إجاباتٍ لحزنٍ دفينٍ و جرحٍ غابر و طفلٍ كامنٍ في الداخل حزين، ليُكذب بذلك الشاعرُ بازين الملكَ ثيسيوس الذي اعتقد أن “البشر الذين ابتكروا كل شيء و اكتشفوا كل الوسائل غفلوا على تعليم الحكمة لمن لا يملكونها”(3):
“علمت الطير كيف يموت
و كيف يتعلم البكاء مثلي؟
و عوضا عنه حلقتُ في الأعالي
بجناحٍ مكسورٍ
علمت العاصفة كيف تصرخ؟
و رسمت في الساحة صراخا
و جراحا هدتني”. (ص:22).

و “لأننا لا نحبُ أنفسنا كما يجب / فإن الحياةَ تعرضُ عنا / و تمضي بعيدًا عن رياحنا”(4)، فلا مفر، إذن، أن يُغير الشاعرُ نور الدين بازين من أولوياته بحثاً عن فرح طفيف و فسحة أمل:
“هذا المساء
سأعيدُ النظرَ في كامل حياتي
سأغيرُ طريقة تعاملي مع الآخر
و أُمزقُ أجندتي المستقبلية
و ربما جربت أن أتخلف
عن الحضورِ في الوقت المحدد”. (ص:46).

و بذلك يؤكد الحكمة الصينية القائلة: “ماذا يفيد البكاء على الإناء المكسور؟ فالماء المسكوب لا يمكن إعادته مرة ثانية”.

…………………………………………………………..

الهوامش:

(1):  لقاء: ميلان كونديرا، ترجمة: محمد بنعبود / المركز الثقافي العربي / الطبعة الأولى سنة 2011.
(2): ملحمة كلكامش: كاتب مجهول، ترجمة: طه باقر / دار الوراق المحدودة / الطبعة الثالثة سنة 2014.
(3): مسرحية هيبوليتوس: يوربيديس، ترجمة: د. عبد المعطي شعراوي / سلسلة المسرح العالمي / العدد 398، سنة 2019.
(4): ديوان عطب الروح: الشاعرة زينب الأعوج / كتاب دبي الثقافية / العدد 86، سنة 2013.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *