أخر الأخبار
الرئيسية » السلايدر » الأديب و الإعلامي ياسين عدنان: اليوم والحاضرة المراكشية تتجدّد تمَّ تنميط الأزقة والحوار.. والتنميط طمسٌ وقتل

الأديب و الإعلامي ياسين عدنان: اليوم والحاضرة المراكشية تتجدّد تمَّ تنميط الأزقة والحوار.. والتنميط طمسٌ وقتل

ياسين عدنان

“الحاضرة المتجدّدة” صارت لقب المدينة الدّارج على الألسن هذه الأيام. لا البهجة ولا الحمراء. بل الحاضرة المتجدّدة. لكن ما الذي يضمن لنا أن المدينة ستتجدّد دون أن تُغيِّر جلدها؟ لا ضمانة هناك مع الأسف، خصوصًا حينما تغيب المعرفة بتاريخ المدينة المعماري وينخفض منسوب الغيرة على التراث. لذلك، ها نحن نرقب اليوم باندهاش الترميمات العجُولة المتهافتة منخفضة التكلفة التي تجري على قدم وساق في أكثر من مكان. ترميمات أول ضحاياها مع الأسف ذلك التنوّع الجميل الذي كانت تعرفه عدد من مداخل المدينة العتيقة وشرايينها الأساسية. باب لا يشبه بابا. هذا خشب وذاك حديد. هذا جديد والآخر عتيق. هذا بِخُوخةٍ وذاك بمقبض من نحاس. هذا داكن وذاك دون لون بعدما بهت لونه الأصلي. هذا مزخرف وذاك منقوش. وجمال الدروب والأزقة في حيوية هذا التنوع وفي صخب الجمل المعمارية المختلفة التي تتجاور داخل الصفحة الواحدة بشكل ضاجٍّ خلاق.
اليوم والحاضرة المراكشية تتجدّد تمَّ تنميط الأزقة والحواري، والتنميط طمسٌ وقتل. نفس النظام. نفس الأسلوب. نفس المقاولة. نفس نوعية الخشب. نفس طريقة الشغل. لا فرق بين زقاق وزقاق. لا فرق بين باب وباب. ولا فرق بين حيٍّ سعديٍّ وآخر مرابطيّ. فمُجدِّدو آخر الزمان لا وقت لهم لمراجعة درس التاريخ ولا للتدقيق في تاريخ العمارة في المدينة. طبعًا النية حسنة ما في ذلك شك. لكن ما أكثر الكوارث التي صدرت عن نوايا حسنة.
ربما حينما يكون البناء أعمى والترميم أعشى، يصير الهدم أقل ضيرا. لذلك سعدت بحضور حفلة هدم في رياض العروس قبل يومين. في درب تودغة برياض العروس، تم هدم دار الحاج المختار العدل من طرف عبد اللطيف آيت بنعبد الله، أحد الغيورين الكبار على تراث مراكش المعماري، وهناك سيجرب بنعبد الله أن يقود ورشا نموذجيا لتشييد دار بلدية قديمة بالمواد التقليدية الطبيعية تماما كما كان أجدادنا يبنون دورهم ورياضاتهم قبل قرون. بناء بالطين دون إسمنت ولا حديد. بناء بالطين المضغوط، بالتراب والجير. السواري بالآجر البلدي، أما السقوف فستكون سقوف أرز (الورقة والكَايزة). فيما سيتم اللجوء إلى “تاضصَّاصت” القديمة بالنسبة للكارلاج.
ولأن إشعال شمعة يبقى أفضل بكثير من لعن الظلام، فقد تحلّق عدد من أدباء المدينة ومبدعيها حول عبد اللطيف آيت بنعبد الله يوم افتتاح الورش. كان يومُ الهدم واعدا. وأحيانًا لا يستقيم البناء دون هدم. بل إنّ هدمًا يتوخّى بناءً جادًّا على الأصول، يبقى أفضل ألف مرة من ترميم سطحي تبدأ أعطابُه في الظهور قبل الانتهاء منه.

الصور للصديق محمد الزكراوي Mohamed Zakraoui

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *